الشيخ محمد علي الأنصاري
451
الموسوعة الفقهية الميسرة
داره ليعالج مريضه ليس له طيب طبعي ، لكن له طيب عقلي ؛ فإن عقله يحكم بحسن فعله ، فلذلك يكون بيعه صحيحا ، ولكن المكره وإن كان واجدا لهذا الطيب وهو الطيب العقلي ؛ لأنّ عقله يحكم ببيع داره ليتخلّص من ظلم المكره ، إلّا أنّ الفقهاء حكموا ببطلان عقده ، وليس ذلك إلّا لأجل كون العاقد مكرها ، فالمناط في عدم الصحّة هو الإكراه لا الكره « 1 » . وممّن يظهر منه ذلك الإمام الخميني ؛ لأنّه فسّر الرضا وطيب النفس بعدم الإكراه ، حيث قال : « إنّ طيب النفس في المعاملات غير معتبر لو أريد منه انشراح الصدر واشتياق النفس « 2 » ، وكذا الرضا المعتبر فيها ليس مقابل السخط ، بل الطيب المعتبر فيها هو إيقاعها بلا تحميل الغير إيّاه والرضا بها كذلك » « 3 » . وعكس بعضهم الأمر وأرجع أدلّة مانعيّة الإكراه إلى شرطيّة الرضا ؛ « وذلك إخضاعا لها للارتكازات العقلائيّة ؛ إذ من الواضح أنّ الارتكاز العقلائي يرى شرطيّة الرضا ولا يكتفي بعدم الإكراه ، وإنّما يحكم العقلاء بمبطليّة الإكراه لنكتة فقدان الرضا فيه ، فأدلّة مبطليّة الإكراه تحمل على ذلك » « 4 » . والظاهر من النائيني والسيّد الخوئي : أنّ الشرط هو الرضا ، وأنّ بطلان عقد المكره إنّما هو من جهة فقدانه للرضا المعتبر في المعاملة « 1 » . ومهما كان فالأدلّة بعضها يدلّ على شرطيّة الرضا ، وبعضها على مانعيّة الإكراه ، كما سيأتي بيانها . والمهمّ في بحثنا هو بيان حكم الإكراه في العقود ، والنتيجة واحدة هنا سواء قلنا بشرطيّة الرضا أو مانعيّة الإكراه ؛ لأنّ عقد المكره فاقد للرضا ومتّصف بكونه مكرها عليه . الاستدلال على بطلان عقد المكره : هناك مجموعة من الأدلّة يدلّ بعضها على شرطيّة الرضا وطيب النفس بالعقد في صحّته ، وبعضها الآخر على مانعيّة الإكراه لصحّة العقد . وفيما يلي نشير إليهما معا : أوّلا - ما يدلّ على اشتراط الرضا : 1 - قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ « 2 » . والمراد من الأكل هو التملّك ، والباء في بِالْباطِلِ للسببيّة والمقابلة ، أي لا تتملّكوا أموالكم بسبب باطل إلّا أن يكون ذلك السبب تجارة عن تراض . فالآية بصدد حصر الأسباب المشروعة
--> ( 1 ) حاشية المكاسب ( للإصفهاني ) 2 : 39 - 40 . ( 2 ) الظاهر أنّه إشارة إلى مبنى السيّد الخوئي في تفسير الطيب والرضا . انظر مصباح الفقاهة 3 : 289 - 290 . ( 3 ) كتاب البيع 2 : 67 . ( 4 ) صيغ العقود 2 : 17 . 1 انظر : منية الطالب 2 : 381 - 382 ، ومصباح الفقاهة 3 : 289 - 290 . 2 النساء : 29 .